الغزالي
166
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
فرعون ، قال : لا يروّعنّكما « 1 » لباسه الذي لبس من الدنيا ، فإنّ ناصيته بيدي ، ليس ينطق ، ولا يطرف ، ولا يتنفّس إلّا بإذني . ولا يعجبنّكما ما تمتّع به منها ، فإنّما هو زهرة الحياة الدنيا ، وزينة المترفين ، فلو شئت أن أزينكما بزينة من الدنيا يعرف فرعون حين يراها أن قدرته تعجز عما أوتيتما لفعلت ، ولكني أرغب بكما عن ذلك ، فأزوي ذلك عنكما ، وكذلك أفعل بأوليائي ، إني لأذودهم عن نعيمها ، كما يذود الراعي الشفيق غنمه من مراتع الهلكة ، وإني لأجنبهم ملاذها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن منازل الغرّة ، وما ذاك لهوانهم عليّ ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي ، سالما موفّرا . إنّما يتزيّن لي أوليائي بالذّل والخوف والخضوع ، والتقوى تنبت في قلوبهم ، وتظهر على أجسادهم ، فهي ثيابهم التي يلبسون ، ودثارهم الذي يظهرون ، وضميرهم الذي يستشعرون ، ونجاتهم التي بها يفوزون ، ورجاؤهم الذي إيّاه يأملون ، ومجدهم الذي به يفخرون ، وسيماهم التي بها يعرفون ، فإذا لقيتهم ، فاخفض لهم جناحك ، وذلّل لهم قلبك ولسانك ، واعلم أنّه من أخاف لي وليّا فقد بارزني بالمحاربة ، ثم أنا الثّائر له يوم القيامة . وخطب عليّ كرّم اللّه وجهه يوما خطبة فقال فيها : إعلموا أنّكم ميّتون ، ومبعوثون من بعد الموت ، وموقوفون على أعمالكم ، ومجزيّون بها ، فلا تغرّنّكم الحياة الدنيا ، فإنّها بالبلاء محفوفة ، وبالفناء معروفة ، وبالغدر موصوفة ، وكلّ ما فيها إلى زوال ، وهي بين أهلها دول وسجال ، لا تدوم أحوالها ، ولا يسلم من شرّها نزّالها . بينا أهلها منها في رخاء وسرور ، إذا هم منها في بلاء وغرور ، أحوال مختلفة ، وتارات منصرفة ، العيش فيها مذموم ، والرّخاء فيها لا يدوم ، وإنّما أهلها فيها أغراض مستهدفة ، ترميهم بسهامها ، وتقصيهم « 2 » بحمامها ، وكلّ حتفه فيها مقدور ، وحظّه فيها موفور . واعلموا عباد اللّه أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى ، ممّن كان أطول منكم أعمارا ، وأشدّ منكم بطشا ، وأعمر ديارا ، وأبعد آثارا .
--> ( 1 ) لا يروعّنكما : لا يخيفنكما . ( 2 ) تقصيهم : تبعدهم .